Hal Hia thawraton 7a99an ?

بمناسبة الذكرى الثانية لإنطلاق الثورة الشعبية، أعتنم الفرصة، بعد الترحم على كل شهيد قدم روحه لهذه الأرض الطيبة منذ أن وطئت قدم إنسان أرض إفريقية، لأجيب عن السؤال الذي

سمعناه كثيرا: هل هي ثورة حقا؟

***

أنا أظن أن محاولة الثورة بمعنى محاولة تغيير النظام السياسي و الإجتماعي الغير عادل قد تمت فعلا يوم 17 ديسبمر 2010 و ذلك إستكمالا لمسيرة الثورات و الإنتفاضات الشعبية و لكل التضحيات الفردية السابقة، و دليلي في ذلك أن جزء مهم (و إن يبقى محدودا جدا من مجموع الشعب) من الشعب قد طالب بقلب هذا النظام و خرج للشوارع و الساحات و قدم الثمن الطبيعي و هو الدم. و لكن السؤال، هل نجحت هذه المحاولة أو هي في طريق النجاح؟ ذلك هو السؤال!

***

بالنسبة للنجاح، أنا أرى شخصيا أنه من الواضح لا! فكما قال أحد « مثقفي » هذا البلد الطيب، نجاح الثورة مرتبط بمدى إعادة التوزيع العادل لثلات عناصر: السلطة و الثروة و الإعتبار.لنعقب على هذه النقاط الثلاث.

***

أولا: السلطة و إن إنتقلت شكليا من السجان للسجين  ذلك عقب إنتخابات شعبية نزية، فإنني لا يمكن أن أغفل عن الواقع وراء هذا الإنتقال الشكلي. الطغيان و الديكتاتورية نظام و ليس شخص، فبنعلي كان يحكم البلاد بجيش من الأتباع و البيادق في كل المجالات. هؤلاء مازالوا في عروشهم يأمرون و ينهون، بل بعضهم ترقى و أصبح في أعلى مراتب الدولة  كالعديد من المستشارين و المديرين  العامين و الولاة و العمد و القضاة و …  أولئك التجمعيين الذين كانت لهم اليد الطولى في تأسيس دولة الفساد و الطغيان و الذين كرمتهم و رقتهم « حكومة الثورة »!

يقول بعض الأنصار أن هؤلاء التجمعيين ماهم إلا أداة في يد الحكومة الشرعية، ردي عليهم أن أنظروا السيد علي لعريض، الذي يترأس إحدى أهم وزارات السيادة التي لها تأثير مباشر على الشارع و مسار الثورة و لكنه ليس له من الأمر شيء، بل دوره ينحصر في التسيير الإداري و تبرير ما يرتكبه موظفيه فقط!

في هذه النقطة سأكتفي بهذا و لن أعلق على الثقافة الديمقراطية للنخبة السياسية التي تقود الإنتقال الحالي و أعني بذلك كل اللاعبين من حكام و معارضين.

***

ثانيا: كان للثورة ثلاث مطالب أساسية إثنين منهما يتعلقان بالتوزيع العادل للثروة و هما الشغل و العدالة الإجتماعية. حتى لا نتجنى و لا نجانب الصواب، لابد أن نشير إلى أن هذه المطالب لن تتحقق في سنة أو سنتين بل لابد من عمل جبار على المدى المتوسط و الطويل تتظافر فيه الجهود و عسى أن نصل إلى ما نبتغي. لذلك، سنكتفي في هذا الصدد بطرح بعض الأسئلة الغير بريئة لنرى إن كنا حقا في المسار الصحيح للإستجابة لهذين المطلبين.

لكل ديكتاتورية متمعشيها و أثريائها الذين يمتصون دماء الشعب، فلو كانت الثورة حقا في طريق النجاح، ماهو التصرف الطبيعي مع هؤلاء؟ هل حوسبوا؟ هل إستردت الأموال المنهوبة (التي في الداخل قبل الخارج)؟ هل سدد المتهربين من الضرائب طيلة عقود ما عليهم من دين؟ هل شكلت لجان قضائية لتبحث في « من أين لك هذا؟ » ؟ هل راجعت حكومة الثورة عقود إستغلال ثرواتنا الطبيعية و البشرية التي عقدتها عصابات النظام « السابق/الحالي » مع المستكرشين مصاصي الدماء، التونسيين و الأجانب؟ هل هناك خطة وطنية، حتى وإن كانت في طور الدرس، لمحاربة الرشوة و الفساد و المحسوبية؟ ($$$)

الجزء الثاني و الأهم من السؤال هو إستراتيجية الدولة و الأحزاب الحاكمة على المدى الطويل و مخططتهم لتحقيق العدالة الإجتماعية؟ هل الحل يكمن في إغراق البلاد في الديون و الإنحناء لسياسات البنك الدولي؟ أم الحل يتمثل في فتح المجال أمام الشركات الأمريكية كماكدونالد بغزو السوق التونسية (كاتب الدولة المكلف بشؤون أمريكا و آسيا تحدث عن هذا في تقرير المائة يوم الذي نشره)؟ أم في في « تحرير » السوق الفلاحية التونسية و فتحها أما الغزو الأوروبي في إطار ما يسمى بمحادثات الشريك (التابع!!) المتقدم؟ هل قدرتنا التنافسية و وسائل الإنتاج المتوفرة لدى صغار فلاحينا و متوسطيهم قادرة على الصمود في وجه السوق الأوروبية؟ السؤال هنا ليس مبالغا فيه خاصة حينما نرى المغرب الذي إنتهج نفس السياسة فإذا به يعاني من تبعية بأكثر من 70% في تحقيق أمنه الغذائي، بل الشهر الفارط يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه حينما رفضت الولايات المتحدة مده بما يحتاجه من قمح! و اللافت للنظر أن بعض أعضاء حكومتنا الموقرين يستشهدون بالمغرب عند حديثهم عن الإقتصاد متناسين نسبة الفقر و التهميش و التفاوف الإجتماعي الرهيب في هذا البلد الشقيق!!

نحن لا ننتظر من الدولة بناء المصانع و خلق ملايين مواطن الشغل، ذلك عهد مضى و ولى و لكن ننتظر منهم أن يدعموا السوق التونسية و يثقوا في الطاقات الوطنية و يمهدوا لها الطريق لا الإرتماء في أحضان سياسيات رأسمالية تثبت كل يوم فشلها و توحشها.

***

ثالثا و أخيرا: رد الإعتبار. هنا لا أستطيع أن أكون موضوعيا، يحزنني بحق ما أرى بين أهلي و عشيرتي من إنتشار لسموم الجهويات و الطائفية. ككاريكاتيرا محزنا على ذلك أذكر تعليقا نشرته محامية معروفة في الساحة الوطنية (رجاء الحاج منصور) في صفحتها على الفايسبوك مليئا عنصرية و كراهية لجهات بأكملها. الحزن في الأمر أن هذه المرأة ليست نكرة بل هي مشهورة و لها معجبيها و من يوافها الرأي! هذا طبيعي بعد عقود (أو قرون) من الميز و الحيف تتعرض له مناطق من التراب التونسي لحساب مناطق أخرى، و لكن الغير طبيعي هو إنكار و نجاهل هذا الخطر و عدم وضع سياسية وطنيه للتصدي له. جزء من الحل حسب رأيي، إضافة إلى تفعيل مخططات تحقيق العدالة الإجتماعية و التوازن بين الجهات، هو حملات وطنية لتحقيق الصلح الإجتماعي و كذلك تجريم كل ما من شأنه أن يثير داء الفرقة و تقسيم الشعب التونسي على أساس جهوي أو عقائدي  (مثل تجريم كل ما فيه طابع عنصري في بعض البلدان الغربية). مقترح اللامركزية المدرج في مشروع الدستور يمكن أن يلعب أيضا دورا في خلق هذا التوازن و الصلح.

***

أكتفي بهذا و أقول أن الثورة على الظلم و الضيم و الفقر و التهميش هي صيرورة تاريخية بدأت منذ الأزل و لن تتوقف، و ما ثورة 17 ديسمبر إلا حلقة في المسار و إسكماله مرتبط بمدى وعيينا لواجباتنا و حقوقنا و مدى حرصنا عليهما.

إلى اللقاء في مقال آخر إن شاء الله

 

Omar GACHA
IPEST 2008 – 2010
Ecole Centrale de Lyon 2013

Laisser un commentaire

*