Estirad Al-fachal…

بحكم علاقاتنا الكبيرة و القوية مع أوروبا مستعمرة الأمس القريب، و بحكم ما وصلت إليه القارة العجوز من تقدم علمي و تقني باهر، قد يهرع البعض للمطالبة باستيراد التجربة الأوربية جملة و تفصيلا إلى تونس، التي لازال شعبها يرسم ملامحها الجديدة بكل رقي يستحق كل الاحترام و التقدير.

شخصيا أؤيد هذا الرأي جزئيا و أعارضه بشدّة إذا أصرّ على الكليّة في عملية الاقتباس. لأنني أرى بحكم عيشي في المجتمعين الفرنسي و الألماني تباعا أن استيراد المنظومات القيميّة الأوروبية لا يعدو كونه استيرادا للفشل و انحدارا خطيرا يهدد مجتمعنا.

 

في ما يلي سأحاول توضيح وجهة نظري لكنني أنأى بخطابي عن التعميم. إن كل ذي عقل يعلم أن لا ظاهرة تعمّم على جميع الناس و أن الاستثناءات لا بدّ أن توجد. إنما أسوق أمثلة أعتبرها في الغالب موجودة في الواقع.

إن المجتمعات سابقة الذكر تعاني من تفسّخ أخلاقي مزمن و متفشّ داخل المجتمع، و براهين ذلك عديدة و ليست بظواهر متفرقة أو عرضية بل عادت أمراضا خبيثة تمكنت من الأنفس و أعمت البصائر.

 

أول تلك الأمراض تفكك منظومة الأسرة و فقدانها لمشاعر البر و الودّ و الرحمة التي ألفناها ملازمة لها. كم يؤلمني أن أسمع جاري العجوز الذي لا ينقطع عن السعال، و الذي يرفع صوت التلفاز عاليا لأن سمعه ضعيف فأسمع صوت جهازه كأنه في غرفتي، عجوز بلا أبناء يزورونه أو يبرونه، بلا أقارب يزاولونه، و لا حتى جيران يطمئنون على حاله… لعله إن هلك لا ينتبه لمصرعه أحد. و يبطل العجب حين أعلم أن الأبناء يطردون من بيوت آبائهم ما إن يبلغوا الثامنة عشر سنا.

 

بالله عليكم أنّا يكون له أبناء يعولونه و ثقافته لا تهديه إلى تربيتهم على برّ الوالدين؟ بل على العكس، لا تغرس في الطفل إلا مبادئ الفردية تحت غطاء التعويل على الذات فينسى عائلته و لا يمت لها بصلة مادام بلغ رشده. و إن كان للأبناء علاقة بآبائهم فإنها تقتصر على بضع سويعات يقضونها معهم في أعياد الميلاد ثم ينصرف كلّ إلى شأنه.

 

ثاني تلك الأمراض تفشي المادية في المجتمع، و انعدام الرحمة بين الناس. ففي يوم من الأيام و أنا جالسة في منتزه في ألمانيا، تعالا صوتا زوجين طاعنين في السن، كانا على مقربة مني و من صديقتي، لم أفهم سبب الجدال لأنني لا أتقن الألمانية، فقامت صديقتي بالترجمة لي و كم كان مذهلا أن أعلم أن الرجل كان يصرخ لأنه يرفض أن يعطي زوجته ماءا من قارورته، مصرّ على أنها ملك له وحده ! أين الرحمة في قلب ذلك الرجل؟ أين المودة التي أمرنا الله أن نجعلها بيننا و بين أزواجنا؟.

 

كما أن صورة من انعدام الرحمة في المجتمعات الأوربية لن تمحى من ذهني: هي صورة فاقدي الملجأ أو المنزل، هؤلاء الذين يعيشون في العراء و لا يبالي بهم أحد سوى من بعض المأكولات التي تجلبها لهم الجمعيات الخيرية من حين لآخر. انه لأمر يدمي القلب حين ترى هؤلاء يفترشون الأرض في الشتاء القارص، لا يحتمون من الثلج و البرد إلا ببعض القماش، و الأدهى و الأمرّ أن ترى الناس يمرون عليهم صباحا مساءا بدون مبالاة تقريبا، تبلّدت مشاعرهم أم وئدت الرحمة في قلوبهم؟

و آخر هذه الأمراض التي لا أسوقها على سبيل الحصر، انتهاك الحرمات بل و انعدام هذا المفهوم أصلا لدى الناس، خاصة في ما يتعلق بالمرأة. أعلم أن العديد من الناس الذين ابهروا بالظاهر يرون أن المجتمعات الأوربية هي الأكثر إنصافا للمرأة، لكنني على العكس أرى أنها الأكثر امتهانا لها، و الأكثر وضاعة في تعاملها مع المرأة.

كيف لا يغمرني هذا الشعور من الغضب و أنا أرى المرأة تعتبر مجرد جسد و وسيلة للمتعة تباع و تشرى و تخصص المحلات و الدكاكين للمتاجرة بجسدها!  هذا فعلا عصر القرود الذي أنبأ به مصطفى محمود في كتابه « عصر القرود ». المرأة تجرد من إنسانيتها و تصبح جسدا ينتهك في الساحات العامة بدون أي رقيب، تكشف عوراتها في الجرائد الألمانية و توضع في واجهات محلات المتعة المزيفة، فتغدو سلعة رخيصة للقاصي و الداني !!

كيف تكون المرأة كريمة في بلد تمتهن في الطالبات المتنورات بالعلم الدعارة كوسيلة للرزق؟ و قد أورد هذا الأمر بالتفصيل في تقرير شاهدته العام الماضي على شاشة تلفزيّة فرنسية

وكيف تكون المرأة كريمة في مجتمع يصلّط عليها العنف المادي بشكل يوميّ؟

و صدق « يكن » حين قال:على الصعيد الاجتماعي: فشلت النظم  )يمينية ويسارية)  في تأمين السعادة والطمأنينة والاستقرار للإنسان.. بل إنها تسببت في إشقاء الإنسان وإتعاسه.. فكان أن تهدمت الأواصر العائلية والمجتمعية.. وتفسخت الأخلاق وانعدمت القيم والمكارم، وحلّ التوتر والتشنج محل الطمأنينة والاستقرار، وحلّت الأنانية والأثرة وحب الذات محلّ التعاون والإيثار وحب الآخرين والعطف عليهم[1]

 

ختاما أذكّر أن غايتي ليست شيطنة المجتمعات الغربية أو لفض نموذجها جملة و تفصيلا، و لكن بغيتي هي كشف بعض ما اعترى هذه المجتمعات من الخور و التنبيه أن الاقتباس يتطلب جهدا كبيرا لتمييز الطيب من الخبيث في النقل.

 

[1] ماذا يعني ا نتمائي للإسلام، فتحي يكن

 

Tasnim HAMZA
IPEST 2007 – 2009
ENSEEIHT 2012

2 réponses à “Estirad Al-fachal…”

  1. Rachida dit :

    Ce qui m’étonne le plus dans cet article c’est le fait de prendre en exemple l’Allemagne et de dire que ça se passe comme ça dans toute l’Europe. Les peuples des pays nordiques par exemples (Norvège, Suède, Danemark…) sont totalement différents de l’Espagne et du Portugal. Ce n’est absolument pas le même mode de vie, ni le même modèle sociale.

    Et ce qui m’étonne d’avantage c’est que ce soit un pays dont tu ne maitrises pas la langue (donc ni les codes de société). Ce qui rend cet article, bien qu’écrit dans excellent arabe dont je salue le niveau, superficiel, jugeant uniquement sur les apparences et les a priori.

    Ce qui ne manque pas de me rappeler, ce regard extérieur avec lequel un occidental ne connaissant rien à la culture musulmane jugerait notre « Id al Idhha ». Il le réduit à un cruel sacrifice.

    Il faut nous forcer à ne pas tomber dans ces caricatures. Chaque culture a ses spécificités. Ses bons et ses mauvais côtés. Ce qui s’applique aussi au modèle musulman dans toute sa diversité et peu importe son origine : arabe, sunnite, chiite, pakistanaise, indienne, africaine…

    Je n’ai jamais entendu dire personne qu’il faille calquer le modèle occidental à la société tunisienne. Je ne sais pas qui te l’a déjà affirmé.

    Les valeurs dont s’inspirent certains penseurs tunisiens comme l’égalité homme-femme, la liberté d’expression, la liberté d’exercer ou non sa foi, de croire ou de ne pas croire, sont à mon sens des valeurs universelles, propres à l’évolution logique de toute société qui se veut épanouie et égalitaire. Ce n’est pas une exclusivité occidentale. Donc e n’est pas correcte de traiter quiconque voulant introduire ces valeurs d’ « occidentalisé ». Je sais que tu ne le fais pas mais je voulais juste le souligner.

    L’identité tunisienne est toute particulière. Elle n’est pas uniquement défini par l’Islman même si ce dernier reste un facteur de cohésion sociale indéniable. Elle n’est pas uniquement défini par l’arabisme. Elle n’est pas non plus défini par ses anciens colonisateurs. C’est le fruit extraordinaire de plusieurs siècles d’histoire et de conquêtes. La réduire à l’une ou l’autre des ses multiples facettes revient à la mutiler.

    Notre plus grand souci reste à mon sens est la vague de violence qui commence à sévir dans les quartes coins du pays et dont l’origine est de justement vouloir réduire la Tunisie à l’islamisme.

    En tout cas, je suis contente de débattre de ce sujet avec toi. ^^
    J’aime beaucoup les débats d’idées et non d’idéologies. Je dirai même que je n’adhère à aucune idéologie. Ma liberté de penser m’en empêche farouchement.

  2. Ghazi dit :

    تسنيم ممتاز المقال
    قد أعجبني و أنا في اتفاق شبه تام مع كل ما ذكرت فيه
    النموذج الغربي نموذج مهترئ باعتراف كثيرين من غير بني جلدتنا

    أما الحديث عن القيم الكونية فهو أمر على قدر من الحساسية لوجود معضلة دائمة يقع فيها جل من يخوضون فيه و هو تسمية الأمور بغير أسمائها
    لذلك يظل حديث رشيدة مطلقا طالما لم تتحدد القيم الكونية التي تحدثت عنها من خلال أمثلة واضحة تسمح بالتمييز

Laisser un commentaire

*